كشفت مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية عن تفاصيل جديدة فيما يتعلق بتحذير مصر لإسرائيل من شن هجمات 7 أكتوبر 2013، وهو ما يتسق مع معلومات سابقة عن تقديم القاهرة معلومات تحذيرية لتل أبيب، وهو ما لم تستجب له الأخيرة.

 

وبحسب التفاصيل، فإن رئيس المخابرات المصرية السابق عباس كامل وصل سرًا إلى سرًا إلى مطار بن جوريون في 26 سبتمبر 2023، أي قبل 11 يومًا من هجمات  7 أكتوبر، وحذر من أن "حماس" كانت على الأرجح تُحضّر لهجوم كبير.

 

 

هجوم كبير

 

ووفقًا لبحث مُعمّق أجرته المجلة، لم يمكث كامل في إسرائيل سوى 67 دقيقة. وحذر من أن "حماس" تستعد لهجوم كبير، ودعا إسرائيل إلى تقديم تنازلات اقتصادية للحركة لمنع التصعيد. ولم يُذكر تاريخ أو تفاصيل عن طبيعة الهجوم، كما لم يتضح مع من التقى. ووفقًا للتقرير، استمرت مصر في التحذير حتى قبل يومين من الهجمات، كما حذر رئيس الإمارات العربية المتحدة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيضًا.

 

وبعد يومين من الهجمات، كشفت الصحفية سمادار بيري على موقع "يديعوت أحرنوت"، عقب نشر وكالة "أسوشيتد برس" تحذيرًا مصريًا، أن كامل نقل رسالة إلى مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حذر فيها من "شيء غير عادي، عملية مرعبة" على وشك الحدوث من جهة غزة. ونفى مكتب رئيس الوزراء هذه الادعاءات.

 

بحسب بحثٍ مُعمّق أجرته المجلة، استنادًا إلى محادثات مع عشرات المسؤولين الإسرائيليين والمصريين والعرب والأمريكيين والأوروبيين، هبطت طائرة سيسنا مستأجرة تابعة لأجهزة المخابرات المصرية في مطار بن جوريون بعد ظهر يوم 26 سبتمبر 2023.

 

وُجّهت الطائرة إلى منطقة معزولة في المطار، تُستخدم، من بين أمور أخرى، للمهام الدبلوماسية والأمنية الحساسة. كان على متنها كامل، الذي كان آنذاك أحد أبرز الشخصيات الأمنية نفوذًا في الشرق الأوسط ومقربًا من (قائد الانقلاب) عبد الفتاح السيسي. مكثت الطائرة في إسرائيل 67 دقيقة فقط قبل أن تُقلع عائدةً إلى القاهرة، وهو مسار، بحسب مجلة "ذا أتلانتيك"، سُجّل في سجل رحلات هيئة المطارات، وتم التحقق منه أيضًا بواسطة أنظمة تتبع رحلات مستقلة.

 

ولم تُحدد المجلة هوية من التقى بهم كامل خلال زيارته القصيرة لإسرائيل، لكن وفقًا لمصادر من سبع دول تحدثت إلى المجلة، كان هدف زيارته توجيه تحذير عاجل بشأن الوضع في قطاع غزة.

 

 

تنازلات اقتصادية

 

وذكرت المصادر ذاتها، أن كامل قال إن حماس تبدو وكأنها تُحضّر لهجوم كبير، وأوصى إسرائيل بمنحها تنازلات اقتصادية في محاولة لمنع نشوب صراع.

 

ووصف مسؤول إسرائيلي سابق، أُطلع لاحقًا على تفاصيل الزيارة، رسالة كامل قائلاً: "ستنفجر غزة في وجوهكم". مع ذلك، تُؤكد مجلة "ذا أتلانتيك" أن رئيس المخابرات المصرية لم يُحدد موعدًا للهجوم، أو هدفًا مُعينًا، أو معلومات حول الأسلوب الذي يُتوقع أن تُنفذه حماس، ولم يُقدم لإسرائيل صورةً عن عملية التسلل واسعة النطاق التي نُفذت في 7 أكتوبر.

 

كانت زيارة كامل لإسرائيل غير معتادة بحد ذاتها. وبحسب مجلة "ذا أتلانتيك"، كانت زياراته لإسرائيل نادرة، وكانت آخر زيارتين معروفتين له لإسرائيل في مايو وأغسطس 2021، في أعقاب العملية العسكرية التي شنتها إسرائيلي على غزة في مايو من ذلك العام. وكان كامل حينها من بين الوسطاء الذين ساهموا في التوصل إلى وقف إطلاق النار الذي أنهى 11 يومًا من القتال.

 

 

احتفالٍ الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر

 

يُعدّ توقيت الزيارة لافتًا للنظر بشكل خاص، فبعد نحو ساعتين من هبوط الطائرة المصرية، شارك رئيس الوزراء الإسرائيلي في احتفالٍ بمناسبة الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر في القدس.

 

وفي كلمته، أشار نتنياهو إلى المفاجأة الاستراتيجية التي حدثت عام 1973، والتحذيرات الاستخباراتية التي لم تُعالج بالشكل الكافي، والافتراضات المبكرة التي تبيّن خطؤها. وقال إن إسرائيل لا تستهين بالتهديدات التي تواجهها.

 

ووفقًا للجدول المعلن، شارك نتنياهو أيضًا في جلسة إحاطة سرية بعد الاحتفال، وفي وقت لاحق وافقت إسرائيل على بعض الإجراءات الاقتصادية الرامية إلى تهدئة الوضع في قطاع غزة.

 

ولا تزعم مجلة "ذا أتلانتيك" أن نتنياهو نفسه التقى بكامل أو تلقى منه التحذير بشكل مباشر. إلا أن مصدرًا إسرائيليًا سابقًا تحدث إلى المجلة، زعم أن مجرد وصول رئيس المخابرات المصرية في مثل هذه الزيارة القصيرة وغير المعتادة كان كافيًا لتوضيح مدى إلحاح الموقف. ووفقًا له، "كان الرسول هو الرسالة".

 

ونفى مكتب رئيس الوزراء، في الأيام التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر، تلقي نتنياهو أي تحذير من مصر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وذكرت مجلة "ذا أتلانتيك" أن مكتبي نتنياهو والسيسي لم يردا على استفسارات المجلة بشأن الزيارة التي كُشِف عنها مؤخرًا. بل إن تساحي هانجبي، الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن القومي آنذاك، صرّح للمجلة هذا الأسبوع بأنه، على حد علمه، لم تتم زيارة كامل، ولم يُوجَّه أي تحذير مصري من هذا القبيل.

 

"هناك شيء ما يُحاك"

 

بحسب التحقيق، لم تُشر معظم المعلومات الاستخباراتية الواردة في الأسابيع التي سبقت السابع من أكتوبر إلى تسلل غير مسبوق. وتركزت التقييمات بشكل أساسي على احتمال تجدد إطلاق الصواريخ من غزة وتصعيد آخر قد يمتد إلى الضفة الغربية. إلا أن مصادر استخباراتية داخل القطاع نقلت صورة أكثر إثارة للقلق إلى مصر، ما دفع القاهرة والإمارات العربية المتحدة إلى تحذير إسرائيل من أن حماس قد تُحضّر لخطوة غير مسبوقة.

 

وأوضح مسؤول مصري، لمجلة "ذا أتلانتيك"، أن مجرد إرسال السيسي كامل إلى إسرائيل في زيارة استغرقت نحو ساعة، يُشير، في رأيه، إلى جدية المعلومات كما تُدركها القاهرة.

 

بحسب التحقيق، لم تظهر المؤشرات المقلقة إلا في سبتمبر؛ إذ أفاد وسيط دولي عمل في المنطقة أنه قبل صيف 2023 بفترة طويلة، كانت جهات اتصال تنقل تقارير تفيد بأن "شيئاً ما يُحاك" في قطاع غزة. ومع ذلك، أشار إلى أن المعلومات كانت غامضة، والإشارات الواردة من غزة كانت أحيانًا مُربكة، ولم تُوضح طبيعة الخطوة التي كانت حماس تُخطط لها.

 

في ذلك الوقت، تصاعدت التوترات على حدود غزة بشكل حاد. فقد أخرت قطر تحويلات الأموال والوقود التي كانت تُستخدم، من بين أمور أخرى، لدفع رواتب العاملين في قطاع غزة، وشهدت المنطقة المحيطة بالسياج مظاهرات عنيفة، وأغلقت إسرائيل معبر إيرز في منتصف سبتمبر. ونتيجةً لهذا الإغلاق، لم يتمكن نحو 18 ألف عامل من غزة يحملون تصاريح عمل من دخول إسرائيل. وفي اليوم الذي وصل فيه كامل إلى إسرائيل، أفاد موقع "رأي اليوم" الإلكتروني، الصادر في لندن، نقلاً عن مصادر فلسطينية، أن حماس حذرت مصر من أن استمرار إغلاق المعبر قد يؤدي إلى انفجار في قطاع غزة.

 

ومع ذلك، في ذلك الوقت، كان اهتمام إسرائيل منصبًا إلى حد كبير على ساحات أخرى، فقد صرح مسؤول أمريكي رفيع سابق، شارك في محادثات مع الحكومة الإسرائيلية، للمجلة قائلاً: "يبدو واضحًا أن الضفة الغربية، لسبب ما، كانت أولوية بالنسبة لهم"، مضيفًا أن إسرائيل كانت مقتنعة بأن الوضع في غزة تحت السيطرة.

 

ثم بدأ وسطاء من مصر وقطر والأمم المتحدة محادثات مكثفة لتهدئة الأوضاع. وقدّمت حماس مطالب تضمنت، من بين أمور أخرى، زيادة عدد تصاريح العمل واستئناف آليات المساعدات القطرية، وفي نهاية سبتمبر، تم التوصل إلى تفاهمات انسحب بموجبها المتظاهرون من منطقة السياج وأعادت إسرائيل فتح معبر إيرز.

 

وبعد ذلك، ادعى وسطاء تحدثوا إلى المجلة أن حماس استغلت المحادثات لتهدئة الأوضاع أثناء استكمال استعداداتها للهجوم. وأشارت وثائق تم ضبطها لاحقًا في قطاع غزة إلى أن الحركة كانت تخطط لعملية واسعة النطاق منذ فترة طويلة، وتشير مجلة "ذا أتلانتيك" إلى أن محللين إسرائيليين وأمريكيين أخطأوا في تقديرهم بأن حماس غير مهتمة بمواجهة عسكرية.

 

من بين الوثائق التي عُثر عليها في قطاع غزة بعد اندلاع الحرب، مذكرة مفصلة مؤرخة في أغسطس 2022 ، والتي يُرجّح، وفقًا للتحقيقات، أنها كُتبت بخط يد يحيى السنوار. وصفت الوثيقة أجزاءً كبيرة من الخطة العملياتية التي ستنفذها حماس في العام التالي. وبحسب مجلة "ذا أتلانتيك"، فبينما كان الوسطاء يتفاوضون مساء السابع من أكتوبر بشأن تصاريح العمل والوقود والإغاثة الاقتصادية في محاولة لمنع التصعيد، واصلت حماس في الوقت نفسه استعداداتها لشن هجوم واسع النطاق.

 

 

استمرار التحذيرات حتى الخامس من أكتوبر

 

بحسب التحقيق، لم تكن زيارة كامل الإنذار الأخير. فقد واصلت مصر إرسال رسائل تحذيرية إلى إسرائيل حتى الخامس من أكتوبر، أي قبل يومين فقط من المجزرة. ولم يتضمن هذا الإنذار تاريخًا محددًا أو تفاصيل حول أسلوب العملية، ولكنه، وفقًا لمصادر أمريكية ومصرية وإسرائيلية، نقل إحساسًا ملحًا باحتمالية وقوع هجوم.

 

كما شاركت مصر تقييماتها مع دول أخرى في المنطقة، بما فيها السعودية. ووفقًا لمصادر عربية، أرسل رئيس المخابرات الأردنية آنذاك رسائل إلى زملائه في إسرائيل، محذرًا من أن الوضع في المنطقة بات متفجرًا ويتطلب استجابة سريعة، مع أن التحذير الأردني ركز بشكل خاص على ما يجري في الضفة الغربية.

 

في الوقت ذاته، ووفقًا للتحقيق، تحدث رئيس الإمارات محمد بن زايد مع نتنياهو بعد تلقيه معلومات استخباراتية من مصادر مصرية وفلسطينية. وسعى بن زايد إلى إبلاغ نتنياهو بتقييمه بأن يحيى السنوار، زعيم حماس في قطاع غزة، كان يخطط لهجوم كبير، كما أوصى باتخاذ إجراءات اقتصادية ضد غزة. ونُشرت هذه المحادثة هذا الشهر في تحقيق أجراه شلومي إيلدار وروث يوفال في صحيفة "هآرتس"، وأفادت مجلة "ذا أتلانتيك" أنها تحققت منها من مصادر متعددة. ونفى نتنياهو هذه التقارير.

 

رصدت الاستخبارات الأمريكية تصعيدًا محتملًا. ففي 28 سبتمبر، نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تقريرًا داخليًا ناقش احتمالية تصعيد من جانب حماس، لكن وفقًا لمسؤولين أمريكيين، ركّز التقرير على سيناريو إطلاق صواريخ لعدة أيام. أما التقرير الآخر الصادر في 5 أكتوبر فكان تحليليًا في معظمه. ووفقًا لمجلة "ذا أتلانتيك"، لم يُشر أي من التقريرين إلى أي استعدادات للهجوم المشترك والموسع الذي نُفّذ بعد يومين.

 

بحسب التحقيق، لم تكن إدارة الرئيس جو بايدن آنذاك على علمٍ مُسبق بالتحذيرات المُحددة التي وجّهتها مصر والإمارات إلى إسرائيل. وذكرت مصادر أمريكية أن القاهرة وأبو ظبي لم تُشاركا هذه الرسائل مع واشنطن قبل السابع من أكتوبر. وبعد أشهر قليلة من الهجمات، علم مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويليام بيرنز، بشكلٍ عرضي تقريبًا، بزيارة كامل إلى إسرائيل ومحادثة بن زايد مع نتنياهو، وحتى حينها، وفقًا للمصادر، لم يُزوّد ​​بتفاصيل الاتصالات كاملةً.

 

في أعقاب الهجمات، صرّح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي آنذاك، مايكل ماكول، عقب جلسة إحاطة سرية، بأن مصر حذّرت إسرائيل قبل ثلاثة أيام من احتمال وقوع "مثل هذا الحدث". ووفقًا له، يبقى السؤال المطروح هو إلى أي مدى وصل هذا التحذير في إسرائيل.

 

ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الليلة الماضية أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان تحدث مع نتنياهو في أواخر سبتمبر 2023، وحذره من أن حماس تدرس شن هجوم كبير. ووفقًا للتقرير، لم يتضمن التحذير معلومات محددة حول ما إذا كان هجومًا صاروخيًا أم غزوًا بريًا.

 

وبحسب خمسة مسؤولين إسرائيليين سابقين تحدثوا للصحيفة، لم ينقل نتنياهو التحذير إلى رؤساء المؤسسة الأمنية. كما لم تذكر محاضر اجتماع أمني عقده في الأول من أكتوبر، أي قبل ستة أيام من الهجمات، تحذير بن زايد، وفقًا للتقرير. وفي ذلك الاجتماع، قال نتنياهو إن الهدف يجب أن يكون الحفاظ على السلام في غزة، وعارض اقتراح النظر في استهداف كبار مسؤولي حماس، خشية الإضرار بمحادثات التطبيع مع السعودية.

 

كما ورد أن بن زايد أبلغ رئيس وكالة المخابرات المركزية آنذاك، ويليام بيرنز، بعد أشهر، عن المحادثة التي دارت بينه وبين نتنياهو والتحذير الذي نقله إليه. وأشار التحقيق أيضًا إلى مؤشرات تحذيرية أخرى كانت إسرائيل قد رصدتها قبل 7 أكتوبر، بما في ذلك خطة حماس لغزو إسرائيل، و "جدار أريحا "، الذي تحقق بالفعل عام 2022، لكن مسؤولي الجيش الإسرائيلي وصفوه حينها بأنه سيناريو غير واقعي.

 

https://www.theatlantic.com/national-security/2026/09/egypt-israel-gaza-hamas-palestinian-october-7/688720/https://www.theatlantic.com/national-security/2026/09/egypt-israel-gaza-hamas-palestinian-october-7/688720/

https://www.ynet.co.il/news/article/ryucfd49mx